الغزالي

163

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

32 - باب : في ذمّ الدنيا أيضا قال بعضهم : يا أيّها الناس ، اعملوا على مهل ، وكونوا من اللّه على وجل « 1 » ، ولا تغترّوا بالأمل ، ونسيان الأجل ، ولا تركنوا إلى الدنيا ، فإنّها غدّارة خدّاعة ، قد تزخرفت لكم بغرورها ، وفتنتكم بأمانيها ، وتزيّنت لخطّابها ، فأصبحت كالعروس المجليّة ، العيون إليها ناظرة ، والقلوب عليها عاكفة ، والنفوس لها عاشقة ، فكم من عاشق لها قتلت ، ومطمئن إليها خذلت ، فانظروا إليها بعين الحقيقة ، فإنّها دار كثير بوائقها « 2 » ، وذمّها خالقها ، جديدها يبلى ، وملكها يفنى ، وعزيزها يذلّ ، وكثيرها يقلّ ، ودّها يموت ، وخيرها يفوت . فاستيقظوا رحمكم اللّه من غفلتكم ، وانتبهوا من رقدتكم ، قبل أن يقال : فلان عليل « 3 » ، مدنف ثقيل ، فهل على الدواء من دليل ؟ أو هل إلى الطبيب من سبيل ؟ فتدعى لك الأطباء ، ولا يرجى لك الشفاء ، ثم يقال : فلان أوصى ، ولماله أحصى ، ثم يقال : قد ثقل لسانه ، فما يكلّم إخوانه ، ولا يعرف جيرانه ، وعرق عند ذلك جبينك ، وتتابع أنينك ، وثبت يقينك ، وطمحت جفونك ، وصدقت ظنونك ، وتلجلج لسانك ، وبكى إخوانك ، وقيل لك : هذا ابنك فلان ، وهذا أخوك فلان ، ومنعت من الكلام فلا تنطق ، وختم على لسانك فلا ينطلق ، ثم حلّ بك القضاء ، وانتزعت نفسك من الأعضاء ، ثم عرج بها إلى السماء ، فاجتمع عند ذلك إخوانك ، وأحضرت أكفانك ، فغسّلوك ، وكفّنوك ، فانقطع عوّادك « 4 » ، واستراح حسّادك ، وانصرف أهلك إلى مالك ، وبقيت مرتهنا بأعمالك .

--> ( 1 ) وجل : حذر . ( 2 ) بوائقها : مصائبها . ( 3 ) عليل : مريض . ( 4 ) عوّادك : زوارك .